مستقبل قطاع التأمين وأزمة المواهب الرقمية

دبي – خاص

جيمس ريلي، شريك في مكتب “هايدريك آند سترغلز” بدبي عضو في الفريق العالمي للخدمات المالية

يشهد قطاع التأمين في الشرق الأوسط مرحلة تحول محورية، مع اقتراب الذكاء الاصطناعي من إرساء ملامح حقبة جديدة في هذا القطاع. وتبرز المملكة العربية السعودية كمثال على هذا التحول، إذ تم تنفيذ أكثر من 50 في المئة من معاملات خدمة المتعاملين خلال عام 2023 باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وفق بيانات المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية. ومع تنامي عدد الأدوات والمنصات الرقمية المتاحة، يتجه تركيز العديد من المؤسسات اليوم نحو فهم السبل التي يمكن من خلالها تحويل الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي إلى نتائج ملموسة ومستدامة. 

وأشارت المقابلات التي شارك فيها عدد من قادة قطاع التأمين في المنطقة إلى أن تحولاً بهذا الحجم لا يقوم على البنية التحتية أو مستوى الاستثمار وحدهما، بل يتطلب أيضاً ذهنية قيادية مناسبة، وقدرات تنظيمية راسخة، وثقافة مؤسسية داعمة على مستوى القيادة العليا. وتمثل التكنولوجيا نقطة البداية فقط، في حين يعتمد تفعيل قيمتها الحقيقية على قدرة المؤسسات على تحديد حالات الاستخدام الاستراتيجية، وقيادة تغيير ثقافي يعتمد فكراً يركز على التقنيات الرقمية عبر مختلف مستويات المؤسسة. وفي هذا السياق، لا يتمحور التحدي الجوهري حول ما يقدمه الذكاء الاصطناعي، بل حول من سيتولى قيادة هذا التحول، ومن يمتلك القدرة على تحقيق النجاح. 

أشار مارتن رويغ، الرئيس التنفيذي للمجموعة في مجموعة ليفا للتأمين، إلى أن القطاع يمر بحالة “تحول يمتد عبر جيل كامل”، مؤكداً في هذا السياق أن التعامل مع مقاومة التغيير يتطلب إيماناً حقيقياً من القيادات بأهمية هذا التحول وضرورته.  

من التأمين التفاعلي إلى التأمين الاستباقي

تقدم الإصلاحات المتسارعة على مستوى المنطقة، من رؤية السعودية 2030 إلى أحدث القرارات الخاصة بإلزامية التأمين الصحي في دولة الإمارات العربية المتحدة، فرصة واضحة للقطاع. وتتمكن المؤسسات التي تتقن توظيف الذكاء الاصطناعي من الانتقال نحو نموذج تأميني أكثر توقعاً وتخصيصاً، مع هيكل تكاليف أكثر كفاءة واستدامة. 

وتتيح أدوات الذكاء الاصطناعي لشركات التأمين فهماً ملفات المخاطر الفردية، وتقديم منتجات مصممة بدقة، واستباق احتياجات المتعاملين مع انتقالهم عبر مختلف مراحل حياتهم. ويتحول التأمين، في هذه الحالة، من تغطية تفاعلية يتم اقتناؤها عند الحاجة، إلى خدمة أساسية تعزز جودة الحياة وترافق الأفراد على المدى الطويل. وفي المقابل، يتراجع أثر الذكاء الاصطناعي إذا لم يتم دمجه ضمن إطار استراتيجي متكامل، إذ لا تكفي التقنية وحدها لتحقيق الميزة التنافسية المنشودة. وفي هذا السياق، حذر جيسون لايت، الرئيس التنفيذي لشركة الإمارات للتأمين، من أن سوء التوافق غالبًا ما يعني أن“ الوعود نادرًا ما يتم الوفاء بها“.

التميّز الحقيقي يكمن في امتلاك الرؤية القيادية الصحيحة لدمج تحوّل الذكاء الاصطناعي في استراتيجية الأفراد والأعمال.

مشكلة البيانات هي في جوهرها مشكلة مواهب

يقر المدراء التنفيذيون في مختلف أنحاء المنطقة بوجود تحدٍ مشترك يؤثر بشكل مباشر على وتيرة اعتماد الذكاء الاصطناعي ونجاحه، ويتمثل في وفرة بيانات لا يتم استثمارها بالشكل الأمثل. وتبدأ العديد من شركات التأمين حالياً في التعامل بجدية مع إدارة البيانات وتنقيتها، رغم الدور الجوهري الذي تؤديه باعتبارها الأساس الذي يتم على أساسه بناء أي تطبيقات فعالة للذكاء الاصطناعي.  

هذه مشكلة تتعلق بالبيانات بقدر ما هي مشكلة تتعلق بالقيادة.

لا يزال قطاع التأمين يعمل على بناء الخبرات المتخصصة اللازمة لاستخراج البيانات، ولكن المواهب الرقمية لا تنمو بين عشية وضحاها. ويؤكد جورج شدياق، الرئيس التنفيذي لمجموعة ضمانة القابضة، أن ”العثور على مواهب مختلطة“ مزودة بالمهارات الفنية والتكنولوجية اللازمة للمرحلة التالية من نمو قطاع التأمين يمثل تحدياً. يتعين على قادة قطاع التأمين استثمار الوقت والموارد في بناء المواهب في مرحلة مبكرة، حتى يتمكنوا من الاستفادة من قيمة الذكاء الاصطناعي اليوم وفي المستقبل.

التوطين ومعضلة المواهب الرقمية

تبرز فرصة واعدة مع تصاعد مستهدفات التوطين المحلي في مختلف أنحاء المنطقة. وتشير دولة الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، إلى أن الوصول إلى نسبة 50 في المئة من التوطين بحلول عام 2030 سيؤدي إلى دخول أعداد كبيرة من المواهب الوطنية إلى سوق العمل. 

في حين أن هذه الأهداف المتعلقة بالمواهب تعتبر حاسمة لاستدامة القوى العاملة على المدى الطويل وتساعد شركات التأمين على تنمية المواهب المحلية بسرعة، فإنها تؤدي في النهاية إلى خلق فجوات في القدرات على المدى القصير يجب على القادة حلها، كما هو الحال في مجالات الذكاء الاصطناعي وعلم البيانات. في المملكة العربية السعودية، لم يتم تنظيم قطاع التأمين رسمياً إلا في عام 2002  من خلال إطار قانوني مناسب. ومنذ ذلك الحين، لم يتقدم سوى عدد قليل من المهنيين الوطنيين إلى مناصب متخصصة في الاكتتاب أو الاكتواريات أو التحليلات. كان هناك أيضاً إجماع بين المديرين التنفيذيين على أن سوق التأمين عالميًا لم يتطور رقمياً كما هو الحال في الصناعات الأخرى، مما يجعل من الصعب العثور على المواهب الرقمية المطلوبة.  

ويواجه قطاع التأمين، بخلاف قطاعات الخدمات المالية الأخرى مثل المصارف أو إدارة الثروات، تحديات إضافية تتعلق بالصورة الذهنية، خصوصاً لدى المهنيين الشباب الطموحين. ولضمان استقطاب الجيل القادم من المواهب وتأمين مستقبل القطاع، شدد محمد علي بوعبان، الرئيس التنفيذي للمجموعة في شركة سلامة (شركة التأمين العربية الإسلامية)، على أهمية إعادة تقديم التأمين بوصفه قطاعاً قائماً على رسالة واضحة ومدعوماً بالتكنولوجيا، ويضاهي في ديناميكيته وابتكاره القطاعات التكنولوجية الرائدة.

ويتطلب التصدي لتحدي المواهب من جذوره التركيز على تطوير الأفراد والقيادات معاً. ويبدأ ذلك عملياً من استقطاب قادة فرق يمتلكون المهارات اللازمة لتوجيه فرقهم وإلهامها، ثم تطويرهم بصورة منهجية. ويعني ذلك الاستثمار في المديرين المناسبين وبناء قاعدة قيادية قوية ومتنوعة وعميقة على مختلف المستويات، بما يخلق أثراً متسلسلاً تنتشر من خلاله القيادات القادرة داخل المؤسسة، وتبني فرقاً عالية الأداء بدورها. 

وفي المحصلة، لن تنبع القفزة الحقيقية التي سيحدثها الذكاء الاصطناعي في قطاع التأمين في الشرق الأوسط من الخوارزميات أو نماذج البيانات الضخمة بحد ذاتها، بل من الأفراد. وفي سوق مرشح للنمو ليصل إلى قيمة تقارب 90 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2033، سيتمكن قادة التأمين الذين يبادرون اليوم إلى بناء مواهب قادرة على الاستفادة من البيانات وذات رؤية مستقبلية من قيادة التحول وتحديد إيقاعه. وفي هذا الإطار، نصح هيثم البكري، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي في الشركة الوطنية للتأمين، بأن يكون التوظيف موجهاً لتلبية احتياجات المؤسسة في الموقع الذي تطمح إلى بلوغه بعد خمسة أعوام. كما يبرز دور الاستثمار في برامج تطوير المواهب والقيادات التي تسهم في تنمية القدرات وتبني منظورات متعددة التخصصات، بما يضمن توجيه المؤسسة بثقة على المدى الطويل.<br>وللقيادات والمؤسسات التي تتأخر في تبني الذكاء الاصطناعي بمنهجية واضحة، قد يجدون أنفسهم ومنظماتهم يراقبون من على الهامش بينما يتسابق الآخرون لتحديد مستقبل التأمين المدعوم بالذكاء الاصطناعي.