التعليم كأداة لبناء الدولة: لماذا لا يزال نموذج التدريب الخارجي الليبي مهمًا
تقف ليبيا اليوم عند مفترق طرق صعب. فبعد أكثر من عقد على انهيار السلطة المركزية، لا تزال البلاد تعاني من تفكك مؤسسي، وانقطاع في السياسات، وتآكل مستمر في الثقة العامة. إن تعدد الإدارات، وضعف هياكل الحوكمة، وتسييس مؤسسات الدولة لم يبطئ التعافي فحسب، بل جعل التخطيط طويل الأمد بحد ذاته مهمة بالغة الصعوبة.
على مدى عقود، استثمرت ليبيا بكثافة في التعليم باعتباره ركيزة من ركائز بناء الدولة، فأرسلت الطلاب إلى الخارج، وأنشأت معاهد متخصصة، ووضعت التعليم في قلب الحراك الاجتماعي. غير أن هذا الإرث يتعرض اليوم لضغوط شديدة.
وفي هذا الإطار، اعتمدت ليبيا على قنوات خارجية لإعادة بناء رأس المال البشري، وكان أبرزها نظام المنح الدراسية الذي يوفد الطلاب إلى الخارج، ولا سيما إلى أنظمة تعليمية ذات جودة عالية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا وغيرها من الدول المتقدمة، لتعويض ضعف التدريب والاعتماد المحلي على الكوادر الليبية بعد انتهاء فترة إيفادها بالخارج.
بناء القدرات في الخارج تحت قيود واقعية
في ظل عدم الاستقرار السياسي والتدهور الاقتصادي، يصبح الحفاظ على هذا النموذج أكثر صعوبة. فالأزمات الممتدة تعطل قدرة الدولة على الوفاء حتى بالتزاماتها الأساسية تجاه الطلاب الموفدين، بما في ذلك دفع الرسوم الدراسية والمخصصات في الوقت المناسب، مما يدفع الجامعات إلى تقييم ليبيا كجهة راعية عالية المخاطر، وفرض شروط أكثر صرامة، أو الحد من القبول.
وفي ظل هذه الظروف، يبرز بعض موظفي القطاع العام ممن يستجيبون لهذه التحديات بشكل عملي ومرن في إطار إصلاحي.<br>على سبيل المثال، يُعد السيد أيمن الحاضر أحد هؤلاء الإداريين في القطاع العام الليبي، حيث اكتسب خبرات إدارية وقيادية مهمة من خلال عمله المتواصل لسنوات في إدارة البعثات الدراسية بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في ليبيا.
ثم شغل منصب ملحق أكاديمي في السفارة الليبية بلندن، حيث تفاوض بشكل مباشر وعملي مع الجامعات البريطانية للحفاظ على تسجيل الطلاب الليبيين رغم عدم وصول المدفوعات بعد، بما يضمن استمرارية المسار الأكاديمي في نظام لا يتسامح مع التأخير. وقد توصل إلى ترتيبات مؤقتة حالت دون تحول العقوبات إلى إجراءات نهائية، مما سمح للموفدين باستكمال تعليمهم رغم الصعوبات، مع التركيز على الحد من هجرة العقول الليبية إلى الخارج، من خلال تشجيع الموفدين على العودة والمساهمة في التنمية المحلية بليبيا فور استكمال دراستهم.
وفي وقت لاحق من عام 2018، عُيّن السيد أيمن الحاضر نائبًا لرئيس معهد Giorni’ Ta في مالطا، وهي مبادرة من الحكومة الليبية لمعالجة التحديات العاجلة الناجمة عن إهمال المعهد وتدهوره، وإعادة قدرته على بناء رأس المال البشري الليبي بفعالية.
أيمن الحاضر عمران يعمل في مكتبه بمعهد تاجورني في مالطا.
Giorni’ Ta كجزء من الحضور التعليمي الخارجي لليبيا
يُعد مركز تاجورني (Giorni’ Ta) جزءًا من الحضور التعليمي الخارجي لليبيا منذ عقود. فقد بدأ الموقع كمرفق تم بناؤه في أربعينيات القرن الماضي، ثم استحوذت عليه ليبيا عام 1976، وتطورت مهمته بمرور الوقت نحو التدريب المهني والبرامج العملية.
نظريًا، كان من المفترض أن يكون مؤسسة رائدة، ولكن للأسف، وبسبب الإهمال وسوء الإدارة، أدى ذلك إلى تراجع تدريجي، حيث تدهورت البيئة التعليمية، وتعطلت البنية التحتية، وانخفض عدد الطلاب. وكنتيجة لذلك، تم إغلاقه في الفترة بين عامي 2013 و2016. ولم يكن استئناف العمل كافيًا بحد ذاته لعلاج المشكلة الجوهرية؛ بل كان لا بد من إعادة هيكلة وإصلاح المركز بشكل جذري يسمح بتفعيله بشكل مستدام.
وهنا أصبح دور أيمن الحاضر محوريًا. فلم يكن الوضع والتحديات المتراكمة لمركز Giorni’ Ta بحاجة إلى مسؤول حكومي تقليدي، بل إلى موظف عام بمهارات ريادية، وشخصية تنفيذية قيادية قادرة على التعامل مع تعقيدات المشهد الليبي، وتخصيص الموارد القليلة واستثمارها بفعالية، لتأمين الدعم المطلوب من الحكومة الليبية لمثل هذا المركز.
وتحت إشرافه كنائب للرئيس، وباستعداده لتحمل المسؤولية، بادر بإطلاق عملية إصلاح شاملة. واستطاع من خلال إجراءات واضحة وحازمة التغلب على تحديات عدة لتنفيذ عملية إعادة التأهيل المعقدة، ومنع سقوط المركز مجددًا في الإهمال أو سوء الاستخدام، ونجح في تحويله إلى حرم تعليمي يعمل بكفاءة، وتدريب مستدام، بمعايير موثوقة، وإدارة تشغيلية متوافقة مع متطلبات الامتثال في الساحة الأوروبية.
منظر خارجي لمعهد تاجورني في مالطا.
ويكتسب هذا التحول أهمية اقتصادية وإصلاحية، فقد أصبح Giorni’ Ta آلية لنقل القدرات، تستضيف مجموعات موفدة من مؤسسات عامة ليبية وهيئات مرتبطة بالدولة، إلى جانب طلاب من مختلف التخصصات.
ويعكس الحجم الحالي للمركز مستوى الطموح؛ إذ يمتد على مساحة تقارب 37 ألف متر مربع، ومهيأ لخدمة نحو 900 متدرب أو طالب، مع توفير كامل المرافق الخدمية والتدريبية اللازمة لضمان نقل المعرفة بشكل عملي وفعال للفئات المستهدفة.
بل وتتجاوز الرؤية المستقبلية، التي يعمل السيد أيمن الحاضر على تحقيقها من خلال تشكيل فريق عمل مهني محترف، جعل هذا المركز التعليمي والتدريبي نقطة انطلاق لإنشاء جامعة متوسطية رائدة، تمثل نموذجًا للتعاون الأكاديمي، وتشكل فضاءً للدراسات العليا في المجالات الحديثة، وتستقطب أساتذة وطلابًا من جنسيات مختلفة.
لماذا يهم هذا الآن
ختامًا، وعلى الرغم من عمق التحديات البنيوية التي يواجهها قطاع التعليم وبناء القدرات في ليبيا، فإن التجارب العملية، مثل نموذج معهد Giorni’ Ta، والأدوار التي اضطلع بها موظفون في القطاع العام ممن يمتلكون حسًا مؤسسيًا ومهارات تنفيذية عالية، تثبت أن مساحات الأمل لا تزال قائمة.
فوجود كفاءات قادرة على العمل داخل مؤسسات القطاع العام، وتحويل الأصول المهملة إلى منصات منتجة، وإدارة التحدي بدل الاستسلام له، يشكّل قاعدة واقعية لإعادة بناء السياسات التعليمية على أسس أكثر فعالية. وفي بلد يمر بظروف استثنائية، يظل التعليم ورأس المال البشري أفضل شبكة أمان وطنية، وخيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه لضمان استمرارية الدولة، ورفع جودة المخرجات، وتسخير أفضل ما تمتلكه ليبيا اليوم: الإنسان الليبي نفسه.